Tuesday, October 15, 2013

طبيب يحيا حياة الصلاة

طبيب يحيا حياة الصلاة

الأطباء الذين يتعاملون مع جسد الإنسان حين يضعف وتعصف به عواصف الأمراض هم أقدر الناس على معرفة حقيقية الإنسان من جهة ضعف الجسد وكم هو زائل. والذين تربطني بهم صلة من الأطباء، كنت أوجه نظرهم دائمًا إلى أمور غايه في الخطورة لكي يتمجد الله بهم وفيهم . 

فالأمر الأول الذي لا يحتاج إلى برهان ... أن الجسد الذي نحيا فيه هو غاية في الضعف .فلا مجال إذن للتباهي والتعالي والاتكال على الذات أو المعرفة أو الخبرة التي تقود الإنسان إلى هوة الكبرياء .. فرؤية الجسد على حقيقته في المرضى، هو هو رؤية الإنسان لذاته وإدراكه مقدار حقارة طبيعتنا وضعفها .هذا هو سبيل الاتضاع في حياة الطبيب .

وقد قرأت قصة عن طبيب كان قد فاق في علمه أهل زمانه فهو من رواد علاج مرض السرطان، ولكنه كان يتعامل مع المرضى كإله متعال ...يتكلم عبارات مقتضبة، وكلمات قليلة وكأن قلبه قد صار من صخر، فهو بالنسبة للمرضى بلا إحساس وبلا تقدير للآلام .وقد حدث في حياة هذا الطبيب ما لم يكن في الحسبان، فقد أُصيب هو بمرض السرطان، ثم بدأ في سلسلة الآلام والعلاجات ... نفس المشوار الذي كان يراه في الناس ... ولكنه في هذه المرة محسوس بكل المقاييس، ولحسن حظه فإن العلاج أتى بنتيجة إيجابية فشفى من مرضه ...وبالحقيقة كان قد شفى من المرض الأخطر وهو الكبرياء، 

فعاد إلى عمله وإلى مرضاه إنسانًا جديدًا رحيمًا شفوقًا غاية الشفقة، إذ صار المرضى بالنسبة له كجسده الخاص .
هكذا كنا نوجه نظر الأحباء إلى هذه الحقيقة منذ بداية حياتهم المهنية ..وهكذا نما كثيرون نموًا، مطردًا ليس من جهة ما أصابوا من النجاح والشهرة بحسب المجال الطبي، بل بحسب نمو إدراكهم الروحي وانفتاح وعيهم على هذه الحقيقة والعيش بمقتضاها .

ثمة أمر آخر كنا ننبه إليه الأذهان ... إن قدرات الإنسان محدودة مهما سمت وإنه "إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون ".. على ذلك يتفكر الإنسان دائمًا أن الله هو الوحيد الذي يعرف سر مرض الإنسان لأنه صُنع يديه وهو مكوّنه في الأحشاء قبل أن يولد .فالطبيب الناجح يدرك دائمًا أن يد الله هي الى تمتد وتمنح شفاءً للنفس والجسد معًا .. فالمسيح هو طبيب الأرواح والأجساد، فإن سمح الرب واستخدم آنية ضعيفة فلكي يتمجد هو ...فلذلك نعطي المجد اللائق لله حين ينجح طريقنا ونشكره ان استخدمنا لمجده .

وقد عاش كثيرون من الأحباء ملتصقين بالرب يمجدونه في كل يوم وفي كل ساعة ويشعرون بصدق مواعيد الله الأمينة وقد حدثت في حياة الكثير منهم أمور يتعجب منها .

من الأمثلة الحية التي شهدت لنعمة المسيح وعمل الروح القدس، أحد أحبائنا وهو طبيب مشهور التصق بالرب منذ شبابه المبكر، إذ كان يتردد على أبينا مينا المتوحد في مصر القديمة يعترف عليه ويسترشد بنصائحه الأبوية، فلما اعتلى البابا كيرلس عرش مارمرقس الإنجيلي

وكان هذا الأخ قد تخرج من كلية الطب منذ سنوات وصار طبيبًا للبابا في فترات إقامته بالإسكندرية ودير مارمينا .و كان البابا يأنس إليه ويحبه ويشجعه على الطريق الروحي ...إذ كان هذا الأخ قد كرس نفسه أن يحيا بتولاً متقدسًا وهو في العالم .
وقد كانت حياته الروحية تظهر في غاية الوضوح مشهودًا، لها من الجميع مؤمنين أو غيرهم .

وإذ ذاع صيت فضائله وعلمه وعمل الله معه صار من أشهر الأطباء وأكثرهم زحامًا .. وكان طويل الروح دائم البشاشة كثير الصلاة .
لم يكن يضع يده ليكتب دواء لإنسان إلا ويرفع قلبه لله في صلاة قصيرة، وكان الناس يظنون أنه يعصر فكره ويركزه لكي يكتب الدواء المناسب، بينما كان هو يطلب نعمة ويطلب معونة الله ويمجده من أجل أعمال حبه ورحمته .وقد أكرم الله هذا الأخ بقلب عجيب في المحبة وعميق في الاتضاع، سخي في العطاء وقد صار مجال عمله مجال خدمة المسيح، فقراء كثيرون كانوا يجدون فيه حب المسيح الحاني، فكان يعالج ويصرف الدواء ويعطي معونات في الخفاء .

لقد مارس عمل الخدمة الباذلة آلاف المرات ومع جميع أصناف الناس وبلا تمييز أو محاباة، فحين كان يعالج أحدًا، من مرضاه ويشعر أن حالته حرجة، ما كان يترك منزله بل يكرس وقته حتى إلى ساعات طويلة إلى جوار فراشه ...وإن لزم الأمر ينزل بنفسه مسرعًا في منتصف الليل أو قبل الفجر إلى الصيدلية الوحيدة في محطة الرمل التي يتوفر فيها الأدوية في مثل هذه الأوقات ويعود بلهفة يتابع الحالة ويسهر بنفسه دون تكليف من أحد غير ناظر إلى أى اعتبار ... وعبثًا حاول أحد أن يكافئه عن هذا العمل ...فلم يتقاض عن مثل هذه الأعمال أجرًا من إنسان أيًا كان، حتى الأدوية التي كان يشتريها في مثل هذه الحالات وهي مكلفة جدًا لم يكن يأخذ ثمنها من أحد .

كان تصرفه عجيبًا في عيون الناس، لم يكن كباقي الأطباء الذين يؤدون واجبًا بل كان تكليفه من الله أن يعمل رحمة مع جميع الناس . فأحبه الناس حبًا فائقًا إذ رأوا فيه صورة نادرة من صور الحب المجاني الذي اقتناه من الذي بذل نفسه لأجلنا .
......................................

منقول من 

المؤلف : جناب القمص/ لوقا سيداروس
الكتاب : رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين
الناشر : كنيسة مارجرجس باسبورتنج
الجزء : الثالث

No comments: