Thursday, September 12, 2013

شجاعة الشهداء - 2

شجاعة الشهداء - 2

يروي قدس أبينا/ لوقا سيداروس في كتابه قائلا: ...

ومن أمثلة هذا الإيمان التي حُفِرت في ذاكرتي من ذلك اليوم أن إحدى السيدات - وكانت تحيا حياة توبة قوية وشركة عميقة مع الله – وهي أم لبنتين وزوجة لرجل فاضل وهي متتلمذة بصدق لأبينا بيشوي ومتعلقة به إذ كان أنقذها من منحدر في بكور حياتها .وكانت تدين له بهذا ولاتنسى معروف الرب الذي أسداه إليها بواسطته .

رأيتها يومها بعد القداس مباشرة وقد عرفت بخبر القنبلة  ... (قنبلة كانت مزروعة في الكنيسة ولكنها إكتشفت بطريقة معجزية ولم تنفجر) ...
 رأيتها تبكي بحرقة شديدة بدموع غزيرة جدًا ... 

اقتربت إليها مستفسرًا، ماذا؟ هل أصابك سوء؟ ماذا بك؟ 
قالت وهي تكاد بالجهد أن تضبط دموعها ...كنا سنصير شهداء للمسيح في طرفة عين ...
خسارة كبيرة !!!

تعجبت جدًا وتأثرت كيف بلغ القلب إلى هذا الحب والبصيرة التي انفتحت على السماويات ...
وقلت في نفسي هل عاد عصر الشهداء محبي المسيح ؟ !!!  ...
هل عادت شهوة الشهادة للمسيح حتى الدم !

وتبينت بصدق أنه إن اشتعلت شهوة الملكوت في القلب لحببت للإنسان التألم على التنعم ... ولأقبلت النفس على حمل الصليب بكل فرح ورضى ...
والعكس إن خلا القلب من شعلة الإيمان هذه صار يلتمس مخرجًا حتى لو أنكر الإيمان  ...

وطلبت إلى الله من كل قلبي أن يجعل هذه الشعلة دائمة في كنيسته وهو قادر لأنه هو الذي قال "جئت لألقي ناراً على الأرض ولست أريد إلا أن تضطرم ".
............................................................

منقول من كتاب : ...
المؤلف : جناب القمص / لوقا سيداروس
الكتاب : رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين 
الناشر : كنيسة مار جرجس باسبورتنج
الجزء الثالث

Monday, September 9, 2013

شجاعة الشهداء - 1

يحدثنا جناب الأب/ لوقا سيداروس في كتابه قائلا : ...

في نوفمبر سنة 1975 وبالتحديد في يوم 16 من الشهر ... وهو عيد تكريس كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس باللد في فلسطين ... وهو أيضا يوافق يوم تكريس كنيستنا في إسبورتنج سنة 1968 م ... بيد المتنيح طيب الذكر الأنبا مكسيموس مطران القليوبية السابق ...

في ذلك اليوم كنا نصلي القداس الإلهي في الصباح في احتفال مهيب ... وكان الأنبا مكسيموس يحب أن يحتفل معنا في هذا اليوم من كل سنة ...

يومها وضع الشيطان في قلب أحد أعوانه أن يضع قنبلة في الدور الأول أسفل الكنيسة وثبتها في أسفل أحد المقاعد الخشبية ... وجعل المقعد في وضع مائل بحيث إذا حرك أحد هذا المقعد إلى وضعه السليم تنفجر القنبلة ...

ولكن الله الرحوم صنع إحسانا في ذلك اليوم إذ إكتشفت القنبلة قبل أن تنفجر ... وبطريقة معجزية !!! ونجى الرب شعبه ببركة القداس الالهي وطلبات الشهيد مارجرجس ... وكان يُتَحَدَث بهذا الأمر في كل مكان !!!

وبطريقة فريدة أيضا قُبض على الجاني ... ونال جزاؤه في الأرض وفي السماء ...

أذكر في ذلك اليوم أنه صار شعور عجيب في قلوب الشعب ... لم يكن إضطــراب ولا حـــزن ولا خـــوف ... شيء فائق للعقل ... حتى إن الحضور إلى الكنيسة تضاعف بعد هذه المعجزة ... وهنا تحققنا أن إيمان شعبنا صار مؤازرا من الله ... ومن شأن هذه الحوادث أن تقوي الإيمان وتشدد الأيادي المسترخية ...


منقول من كتاب : ...
المؤلف : جناب القمص/ لوقا سيداروس
الكتاب : رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين
الناشر : كنيسة مارجرجس باسبورتنج
الجزء 3 صفحة 53 - 54

Wednesday, September 4, 2013

غير المستطاع عند الناس

غير المستطاع عند الناس ...

يروي جناب القمص/ لوقا سيداروس في كتابه قائلا : ...

قد يصيبنا اليأس ونحن نواجه بعض مصاعب هذه الحياة ... وحين يطبق الشيطان على النفس ويحكم قبضته ... حينئذ يلجأ الانسان إلى الحلول البشرية ... أو يتهور ويتورط في قرارات قد تجلب عليه الشقاء مدى الحياة ...

والسبيل الوحيد إلى الخلاص هو التمسك بشخص المسيح ... وحفظ وصاياه ... لكي يصل الانسان إلى الغاية السعيدة ...

في أكتوبر 1977 وقبل سفري إلى أمريكا بأسبوعين ... جاءتني احدى بناتي ... وهي خادمة في مدارس الأحد ... تطلب مني أن أزور أسرة تمت لها بصلة قرابة ... فاعتذرت لها بضيق وقتي لأن سفري المفاجئ سبب لي ارتباكا كبيرا ... وتراكم أمور كثيرة تحتاج مني إلى تدبيرها قبل السفر ... علاوة على أمور الخدمة ...

فألحت عليّ قائلة ولو عشر دقايق في أي وقت ...
فقلت : وما الحاجة الشديدة لهذه الزيارة ؟؟؟
ففاجأتني بأنها مشكلة قديمة بين رجل وزوجته انتهت بالطلاق منذ 13 سنة ...
وأن الزوجة مقيمة في بيت والدها هي وابنها وابنتها ...
قلت : وأين أنت يا بنتي منذ سنين ؟ !!! ماذا أصنع الآن في زيارة قصيرة لهذه المشكلة المستعصية ؟؟؟ لقد فات أوان الكلام ...
قالت : لكن عندي ايمان أن ربنا ممكن يتدخل ...

خجلت من كلامها ... وإقتطعت وقت في مساء يوم أربعاء وذهبت لزيارة هذه الأسرة ... كانوا كلهم في البيت ...

قابلني رب البيت ... وهو رجل مُسِن ،،، صعيدي يعمل بالتجارة، ... قابلني بترحاب وعتاب ... كيف لم أزورهم من قبل ؟ !!!
إعتذرت أني لم أكن أعرفهم ... ولم يبلغني أحد بعنوانهم ...وجلسنا ...

فتحنا الكتاب المقدس ... وتحدثنا بكلمة الحياة وأعمال الله في قديسيه ... وكان الجميع في غاية التأثر والتجاوب مع الكلام ... ولما فرغنا من من الحديث قال لي الرجل:
الوقت قد أمسى ... فهل تسمح وتأكل معنا لقمة ؟؟؟
قلت : نعم ... ممكن أن نأكل معا لقمة محبة ...
لا أستطيع أن أصف الفرح الذي أظهره الرجل وهو غير مصدق ...
وقامت الأم وابنتها يجهزون لقمة صيامي ... بعض الفول المدمس والزيتون ... وبسرعة أعدوا المائدة ...

قال لي الرجل : تفضل بارك ...
قلت : خيرا وبركة ... ولكن قبل أن آكل لي كلمة معك ...
قال وهو خالي الذهن تماما : تفضل قُل ...
قلت له : لكل شيء تحت السماء وقت ... هكذا قال الكتاب المقدس ...
فاليوم يوم خلاص ... والوقت وقت مقبول ...
قال لي : ما هذا الكلام ؟؟؟
قلت : لقد حان الوقت لعمل الله...
سألني مستفهما : ما هو عمل الله ؟؟؟
قلت : السلام السمائي ...
قال ثانيةً : عمَّ تتكلم يا أبي ؟؟؟

قلت : لقد فعل الشيطان فعلته ... وعمل طوال هذه السنين ... من بغضة وعراك وكلام بطال وأعمال ضد المحبة ... وتحطيم الأسرة وهدم الأسرار ... والآن وقت عمل الله ... فالمسيح له المجد يهدم ما فعله الشيطان منذ سنوات ... لأن إبن الله جاء لينقض أعمال إبليس ...

فطن الرجل أني أطرق موضوع ابنته وقضية طلاقها من زوجا منذ 13 سنة ...
فجاوبني بنغمة أسيفة ولكن قاطعة وقال :
يا أبونا هذا أمر إنتهى من زمان !!! وصفحة أُغلِقَت ... ولا فائدة من مثل هذا الكلام ...
دعنا من هذه السيرة وتفضل كل لقمة معانا ...

قلت : لا آكل إن لم تعطني كلمة ...
قال : يا أبي ليس هكذا يكون الأمر ...
قلت دون أن أدري : طيب علشان خاطر يسوع ...

ولست أستطيع أن أعبر عن مدى التأثر البالغ الذي أصاب الرجل لدى سماعه هذه العبارة !!! كم إنفعل وهو يقول : لماذا يا أبي تقول هذا الكلام ؟؟؟
خاطرة على رقبتي ... خاطرة على رقبتي ...
من أجل خاطره لو طلبت ذبحت إبني ...
أنا ما أستاهلش أعمل حاجة علشان خاطره ...
وبكى الرجل ...

ومجرد بكاء رجل كبير - في بيت مثل هذا - شحن الجو كله تأثرا ... وإنسابت دموع غزيرة ... وكأن ريحاً قد هبّت فملأت البيت !!!
صلينا بحرارة ... وشكرنا المسيح العامل في القلوب ...

وقمنا بتناول الطعام ببساطة قلب وفرح كثير ...
وأكملنا حديثنا عن أعمال الله وقدرة المسيح الفائقة ... وسلطان المسيح الإله القادر على كل شيء ...
خرجت من هذا البيت المبارك وأنا في غاية التأثر ...
كيف أن النفوس البسيطة تستجيب هكذا لصوت الروح بلا عناد ...
وبمجرد ما يتحرك فيها هاتف الخير تتبعه متنازلة عن إرادتها !!!

في اليوم التالي ذهبت إلى بيت الزوج ... وجدته انسانا بسيطا ... يعيش بمفرده في شقة صغيرة استأجرها لنفسه منذ أن عاش وحيدا من 13 سنة ... يخدم نفسه بنفسه ... ويعمل في وظيفته ... ويدفع ما فرضته عليه المحكمة للأولاد ... ويراهم حسب الأوقات المتاحة دون مشاكل ...

جلست معه أتعرف عليه وعلى أحواله ...
ثم بلا مقدمات أخبرته بما صنع بنا المسيح بالأمس ...
لم يصدق نفسه وهو يقول : مستحيل ... مستحيل ...
ولكني طمأنته أن أعمال الله هكذا تكون ...
وصلينا معا ... كان في غاية التأثر ...

وقال لي : لقد صليت كثيرا من أجل أسرتي ... وبكيت كثيرا ... وظننت أن الله قد نسيني ... ولكن هيهات ... الآن علمت بالأكثر أن الرب طيب وصالح ... وأن إلى الأبد رحمته !!!

اصطحبته معي إلى منزل والد زوجته ... وبدون ميعاد ولا مقدمات دخلنا ...
وحالما دخلنا إندفع أولاده إليه يقبلونه ببكاء ... وهكذا زوجته ...
وانحنى هو يبكي عند قدمي حماه ... كوالده ... والرجل يرفعه ... ودموعه تجري على خديه ...
وهو يقول له : يا بني سامحني ...
والزوج يقول : لا بل أنا المخطئ ...

لم أر في حياتي مثل هذا المنظر المؤثر ...
جلسنا ثانيةً نقرا الحياة الأبدية ... والتعزية السماوية تغمرنا جميعا ... وصلينا بفرح ...

ثم سألني الزوج والزوجة على انفراد : ماذا سنفعل الآن ؟
أولا : نحن مطلقين بحسب الأوراق الرسمية ... ولكن ماذا في نظر الكنيسة والله ؟؟؟

قلت : أنتم فارقتم بعضكم البعض مجرد فراق لسبب أو لآخر من أسباب عدم الوفاق التي قد يزرعها عدو الخير ويهيج النفوس والمشاعر ... ومعظم هذه الأمور يكون مبالغ فيها بسبب عمل الشيطان ...

ولكن ربنا حفظكم جميعا من الزلل ... فأنت زوج عشت وحيدا ولم ترتبط بأحد ... لا بزواج ولا بخطايا غريبة ...
قال : إني أشهد بذلك أمام الله ...

وقلت للزوجة : وأنت كذلك إذ عشت في منزل أبيك صرت بعيدة عن كل شبهات الخطايا ولم تطلبي زوجا آخر ولا ارتبطت بأحد غير زوجك ...
إذن فهذه الفرقة ماذا يكون أثرها على رباط الزيجة المقدس ؟
لا شيء على الاطلاق ...
فأنتم بحسب الكنيسة والرباط المقدس الروحاني زوجين ... ولا حاجة لكم إلا شيء سوى الصلاة والتوبة والاعتراف عن أزمنة الجهل والقضايا وعدم المحبة ...

أما أن نعيد لكم سر الزيجة والاكليل الطاهر فهذا غير وارد في قوانين البيعة ...

أعطيتهم فترة من الأيام للصلاة لسبب ضيق وقتي ... وجاءا وإعترفا وناولتهما من الأسرار الإلهية ... وقرأت لهما التحاليل ... ورجعا إلى منزلهما الذي كان مهجورا معظم الوقت إلا في أوقات قليلة كانت الزوجة من حين لآخر تفتقد شقتها ربما كل شهر أو أكثر ... لأنها كانت تقيم في منزل والدها إقامة دائمة هي وأولادها ...

ذهبت معهم إلى المنزل ... ورفعت البخور وصليت ... ورجوت لهما أياما مباركة من كل قلبي ... وأوصيتهم بكثرة الصلاة والصوم والتناول من الأسرار ... وقبل أن أسافر ... أوكلت أمر قضية الطلاق إلى أحد أحبائي من المحامين ... وهو بدوره قام بعمله في إلغاء الطلاق ...

وكان لذلك في وسط المحامين والقضاة من المسيحيين صدىً مذهل من هذه السابقة النادرة ... وكانوا يتحدثون فيما بينهم ويمجدون الله القادر على كل شيء ... وأنه بالحق " ": «غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ»." !!!
(إنجيل لوقا 18: 27)

منقولة باختصار من كتاب : ...
المؤلف : جناب القمص/ لوقا سيداروس
الكتاب : رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين
الناشر : كنيسة مارجرجس باسبورتنج
الجزء 3 - الصفحات من 45 الى 52

Tuesday, September 3, 2013

مغبوط هو العطاء

أرملة فقيرة في منتصف الستينات ... كانت تأتي إلى الكنيسة كل يوم إثنين تحضر القداس الإلهي ...

كان أبونا "بيشوي كامل" يولي الفقراء عناية خاصة ... لذلك أفرد لهم يوم الإثنين لخدمتهم ... وقسمهم بعد القداس فصولا كمدارس الأحد ... وأوكل لبعض السيدات خدمتهم ... تراتيل وألحان ودرس كتاب ...

كانت هذه الأرملة المسكينة تأتي بإنتظام ... وكانت حياتها بالمسيح هادئة وادعة كالنسيم ...

كانت كل يوم إثنين تأخذ بركة من الكنيسة ... مبلغا بسيطا ... 25 قرشا ... إلى جانب ما يتوفر للكنيسة من أكل وفواكه أو زيت أو سمن ... إلخ بحسب ما يكون الرب قد أعطى ...

جاءني أبونا بيشوي يوما وهو متأثر غاية التأثر ... "تعرف أم فلان الأرملة التي من الفقراء ؟" ... قلت: "بالطبع أعرفها" ...

قال: ... كنت أزور بعض المساكين بالحضرة ... وقادني بعضهم إلى كشك صفيح فقير جدا ... وبه رجل عاجز مسن ... منظر مؤثر للغاية ...

وقد أخرجت الناس إلى خارج ... وقدمت له بعض المال ... وعرضت عليه أن أكلف أحد أن يأتي إليه كل أسبوع بما يحتاجه ... هل تصدق ماذا قال الرجل ؟؟؟

قال لي : "لا يا أبونا ... أنا أشكر الله ربنا بيبعتلي الست أم فلان ... فهي تعطيني كل أسبوع 15 قرشا ... وكثير من الطعام !!!"

قال أبونا : "لم أكد أصدق ما سمعت" ... كيف تعطي هذه الأرملة الفقيرة أكثر من نصف ما تأخذه من الكنيسة !!!

هذه الأرملة ليس لها دخل ... إنها تأخذ صدقة من الكنيسة لكنها تستطيع أن تعمل الخير ... إن عمل الخير لا يمكن أن تحده حدود !!!

شمس

يروي القمص/ لوقا سيداروس قائلا:

"في صباح يوم قابلني أبونا بيشوي بابتسامته المشرقة وقال لي:

"أمس كان عندنا منظر تحب أن تراه" ... قلت: "وما هو"

قال: "إنت عارف شمس" قلت له: "أعرفها ... هذه السيدة الفقيرة التي تجلس في سوق زنانيري تبيع بعض الخضار ..."

قال: "لقد سقط منزلهم وانهار تماما ... فصار جميع السكان بلا مأوى ... أخذوا جميع السكان إلى الجامع في شارع زنانيري ... كان هذا في الليلة قبل الماضية ...

باتت ليلتها هناك هي وأطفالها ... قال لها إمام الجامع: " أنت مسيحية ... هل ترضي أن تنامي هنا؟ ... قالت له أنا بنت أبونا بيشوي ... وهو علمنا أن نحب جميع الناس ... وكلنا إخوة ... فشكرها الرجل ... وشكر أبونا بيشوي ... وقال: "بالحقيقة كذلك ... ونحن يجب أن نعيش بهذه المحبة وهذا السلام"

وفي الليلة التالية التي هي أمس ... جاءت إلينا من السوق ... وأخبرتنا بما جرى ... وأن كل ما تملك قد دفن هناك تحت أكوام التراب في هذا البيت ...

ولكنها قالت : "إن كل هذه الأمور فانية ... وأنا أشكر الله على عطيته" ...

أمسكت بها أنجيل (زوجة أبونا بيشوي) لكي تبيت الليلة بمنزلنا ... وقدمت لها طعاما ... أكلت وشكرت الله ... ثم في وقت النوم ... طلبت منها أنجيل أن تصعد على السرير لتنام ...

لكنها رفضت تماما ... كيف يتسخ الفراش بملابسها الفقيرة ... ورجليها الحافية !!!

وهنا بدأت المشادة والخناقة ... هذه مُصرّة على عدم الصعود إلى السرير ... وأنجيل تجرها جرا ...

قلت: "وماذا كانت النهاية؟" ...

قال: "نامتا هما الاثنتان على الأرض الليل كله" !!!

......................................................................
من كتاب "القمص/ لوقا سيداروس" : "رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين"
الجزء الثاني (ص 93 - 94) الناشر: "كنيسة مارجرجس باسبورتنج"

الصليب

مرة أخرى وقف تاكسي بباب الكنيسة وكنا قد انتهينا توا من القداس الالهي ...

وكنا نسلم على الشعب بباب الكنيسة ...

وإذا ثلاثة رجال ينزلومن من تاكسي ... وقد بدا عليهم ارهاق شديد ...

وبهم اصابات يسيل منها الدم ...

فتحوا باب التاكسي ونزلوا مسرعين ... كمن يهرب من خطر ...

أثار منظرهم ذعر الناس ... الذين تجمعوا حول التاكسي ينظرون ما عسى ان يكون هذا ...

اقتربت بدوري الى التاكسي ... وجدت سيدة في حالة هياج عجيب ...

قالوا ان بها شيطان ... وكانت قد آذت بأظافرها واسنانها الثلاثة رجال ... ولم يقدروا بكل قوتهم على ردعها ...

وكان سائق التاكسي أكثر الناس رعبا ... فلم يتبين أمرها إلا بعد ركوبها ...

اقتربت أكثر نحو باب التاكسي ... وإذا بالقرابني جاء خلفي مسرعا ... خشي حين رأى المنظر أن يصيبني ضرر ...

حاول منعي ... قلت له: "يا عم بشاي الشيطان يخاف من الصليب" ...

مددت يدي بالصليب نحو هذه السيدة المسكينة ... وهي تماما مثل كلب مسعور ...

وما إن رأت الصليب حتى خفضت نظرها إلى أسفل ... وبدا عليها هدوء عجيب ... في لحظة ... في طرفة عين ...

مددت يدي ... أمسكَت بها ... أنزلتها من التاكسي ... ودخلت بها إلى الكنيسة ...

ركعت على الأرض وصارت تزحف على ركبتيها ...

اندهش الذين كانوا معها ... قلت لهم إن الصليب مخيف حقا للشياطين !!!

من كتاب "القمص/ لوقا سيداروس" : "رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين"
الجزء الثاني (ص 87 - 88) ... الناشر : "كنيسة مارجرجس باسبورتنج"

Monday, September 2, 2013

الأمانة في القليل



في بداية الستينات (من القرن العشرين) كانت كنيستنا في اسبورتنج تحتضن الشبان المغتربين الذين يدرسون في الجامعة ... وكان أبونا بيشوي يوليهم إهتماما خاصا من جهة السكن والتدابير المعيشية ... ولا سيما المحتاجين منهم ...

ويلحق الكثيرين منهم بالخدمة في مدارس الأحد ... ويعتبر أنه إذا رباهم في الروح فإنهم يكونوا كالخميرة الصغيرة عندما يعودون إلى بلادهم ... أو حينما يتخرجون ليحيوا شهودا لعمل نعمة المسيح حيثما ذهبوا ... وقد بارك الرب هذا الفكر ... وجاءت ثمار هذه الخدمة وفيرة وغزيرة ... وقد تكرس كثير من هؤلاء الشبان ومازال الكثير منهم يذكر تلك الأيام بكل خير ...

من بين هؤلاء الشبان كان يوجد شاب في كلية الهندسة ... قسم الميكانيكا ... وكان هذا الشاب متدينا عميقا في تدينه ... مدققا في سلوكه إلى درجة تفرح قلب الله ... وكان يتتلمذ على بابا صادق (سنورد سيرته فيما بعد - "الناسخ")... يذهب إليه بصفة منتظمة ... يسترشد بروحه وينهل من فيض النعمة التي كانت تتدفق بغنى في تعليمه وكلمة الحياة التي كان ينطق بها ...

كان هذا الأخ مجربا من جهة الدراسة ... فرغم أمانته في إستذكار دروسه وحضوره المنتظم في الكلية ... إلا أنه كان غير موفق في الامتحانات ... فتكرر رسوبه في السنة الثانية مرتين وأعطته الكلية فرصة أخيرة ليمتحن من الخارج ... وفي مثل هذه الأحوال يفصل الطالب إذا رسب ...

فكان والحال كذلك في وضع حرج وكان مستقبله مهدد وأمره كله معلق على نجاحه في هذه السنة ... فان نجح انتقل إلى السنة الثالثة وينفتح أمامه باب مستقبل مشرق كمهندس ... وإن رسب فانه يفصل من الكلية ويحاول الالتحاق باحدى الكليات النظرية ليبدأ المشوار من جديد ... وتضيع عليه السنوات الخمس التي قضاها في كلية الهندسة ... فكان جميع الأحباء والزملاء يرثون لحاله ... ويصلون لأجله ... ويشجعونه !!!

ولكن الحق يقال أن هذا الأخ أظهر ثباتا وشجاعة نادرة ... إذ كان قلبه ثابتا متكلا على الله ... فكان دائما بشوشا ... شاكرا ... مسلما الأمر لله في اتكال عجيب ... وهو يعمل بمثابرة بدون إرتباك وبدون أدني يأس أو شكوى أو تذمر ...

وكان مسلكه هذا يثير العجب في كل رفقائه لأن روح الثقة والفرح الذي كان يستمده في حياته من المسيح ... كانت تطغى على تصرفاته ... فكان مثلا حيا للنصرة على التجارب التي كان يتعرض لها السائرون في دروب الرب ...

وفي أحد أيام الامتحانات في آخر السنة خطر ببالي أن أفتقد هذا الأخ ... أطمئن عليه وأشجعه ... فذهبت إلى مسكنه ... فاستقبلني كعادته بوجهه البشوش ... ومحبته المسيحية ... جلسنا نتحدث عن أعمال الله ... وفتحنا الكتاب المقدس كعادتنا ... وصلينا المزامير ... ثم سألته عن حال الإمتحانات ... فقص عليّ كيف تمجد الله معه في ذلك اليوم !!!

قال: أنت تعرف الدكتور سرور – رئيس القسم ؟
قلت: أعرفه ...
إذ كنت وقتها أعمل معيدا في كلية الهندسة (في نفس الوقت الذي كان يعمل فيه أبونا لوقا كاهنا ... وهذه كانت حالة نادرة من نوعها – "الناسخ") ... فهو رجل طيب القلب علمه غزير وقد تتلمذ على يديه آلاف المهندسين ... والرجل مخوف ذو هيبة يخشاه الجميع ... ليس الطلبة فقط ... بل والمدرسين والأساتذة أيضا ... وهو رغم طيبة قلبه إلا أنه لا يعمل حسابا للألفاظ ... فقد يوبخ بشدة أو يعلو صوته بصرامة ... فكان كل واحد يعمل له ألف حساب ...

قلت له : هل كان عندك اليوم امتحان في مادة الدكتور سرور ؟ ...
قال : نعم ...
وكيف الحال ؟ ...
قال : كان الامتحان في غاية الصعوبة ...
انقبض قلبي عندما سمعت منه هذا الكلام ... وقلت لنفسي مسكين هذا الأخ ...
قلت : أرجو من الرب أن تكون قد جاوبت حسنا ... ومادام الامتحان صعب على الجميع فسوف يأخذ الدكتور هذا الأمر في الاعتبار ...
قال : فعلا ... هكذا ...
قلت : كيف ؟ ...
قال : الدكتور كان هو رئيس اللجنة في المراقبة ... فدخل ووجد الطلبة يشتكون من صعوبة الامتحان ... فكان يخرج هو والمراقبون خارج اللجنة بعض الوقت ... فكان يتسنى للطلبة أن يسألوا بعضهم أو يتبادلوا المعلومات ... وبعد قليل قال الدكتور : إيه يا أولاد ... مالكم ؟؟؟
فقالوا: الامتحان صعب جدا يا دكتور ...
فقال : اتصرفوا بينكم وبين بعض ...
قلت : إلى هذا الحد سمح للطلبة !!!
قال : وأكثر من ذلك ... فصارت اللجنة مثل السوق ...
قلت : وماذا فعلت ؟؟؟
قال : أصدقك القول إنني حصرت ذهني على قدر ما إستطعت ... ورحت أحاول في جميع المسائل ... وما إستطعت أن أكتبه كتبته ...
ولم ألتفت يمينا ولا يسارا ... فضميري لا يسمح أن آخذ ما ليس لي !!!
قلت : وماذا حدث ؟؟؟
قال : وقت الامتحان كان ثلاث ساعات ... أما أنا فبعد ساعة وثلث الساعة كنت قد كتبت كل ما أعرف ... وحاولت أن أتذكر كلمة واحدة بعد ذلك فلم أجد ... كانت هذه هي كل قدرتي وكل ما أعرف ...
قلت : وبعدين ؟؟؟
قال : شعرت أن جلوسي في اللجنة أصبح بلا قيمة ... بل إن روحي أصبحت غير مستريحة في هذا الجو ... قمت لوقتي وكان نصف الوقت تقريبا ... فلما رآني الدكتور واقفا ومتجها إليه لتسليم الورقة صاح في وجهي : ...
رايح فين ؟
قلت له : أنا خلصت ...
فأمسك الدكتور بالورقة وتصفحها كلها ... فرأى إجاباتي القاصرة ... ولا مسألة كاملة ... والخطوات القليلة التي كتبتها لا ترقى إطلاقا إلى درحة النجاح ...
فعاد الدكتور في نبرته الحادة يقول : ارجع كمل الاجابات ...
قلت : هذا كل ما أعرف يا دكتور ...
قال : ده مش هينجحك ... ده ضعيف جدا ...
قلت : ليس في ذهني أكثر من هذا ... وإلا فإني كنت قد كتبت ...
قال الدكتور : أدخل إتصرف مع زملاءك ...
قلت : مش قادر يا دكتور ...
صاح الدكتور بصوت أعلى : أنا بقول لك غش !!!
قلت : ضميري لا يستطيع ... صدقني يا دكتور !!!
فقال وهو يشتم : يا واد إنت منين ؟؟؟ إنت أصلك إيه ؟؟؟
قلت : أنا مسيحي يا بيه ...
قال : إلى هذا الحد ضميرك لا يسمح !!!
روح يا واد ... وأقسم بحلف أنه من أجل أمانتك هذه لابد أن تنجح ... وعلّم على الورقة في الحال ... وأعطاني أعلى من درجة النجاح !!!
وقبل أن تدخل الورقة الكنترول وقبل التصحيح ... نجحت !!!
إقشعر جسدي وأنا أسمع هذا الكلام ... ومجدنا الله العجيب الذي ينصف مختاريه ... وقمنا نصلي ونمجد ونسبح ونشكر ...

وقد إجتاز الأخ هذه السنة بنجاح ... وليس تلك السنة فقط ... بل وصارت أمانته هذه هي العلامة المميزة لحياته على مدى السنين ... فمبارك الله الذي لا يخيب المتكلين عليه !!!

منقول من كتاب : ...
المؤلف: جناب القمص/ لوقا سيداروس
الكتاب : رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين
الناشر : كنيسة مارجرجس باسبورتنج
(الجزء 3 صفحة 36 – 41)