Saturday, September 14, 2013

غفران عجيب

عندما تعمل نعمة المسيح في إنسان، فإنه بالنعمة يتخطى حدود الطبيعة ويغلب حركاتها المغروسة فينا، فمعروف أن الغيرة الطبيعية في الإنسان شيء غريزي .فسفر الأمثال يقود الجهال ويحكم العميان في طريق الحكمة قائلاً : 
"إنه بسبب امرأة زانية يفتفر المرء إلى رغيف خبز، وامرأة رجل آخر تقتنص النفس الكريمة  ...
أيأخذ إنسان نارًا في حضنه ولا تحترق ثيابه ... هكذا كل من يدخل على امرأة صاحبه . كل من يمسها لا يكون بريئًا ".
" أما الزاني بامرأة فعديم العقل المهلك نفسه، هو بفعله ضربًا وخزيًا يجد وعارًا لا يمحى . لأن الغيرة هي حمية الرجل فلا يشفق في يوم الانتقام .لا ينظر إلى فدية ما ولا يرضى ولو أكثرت الرشوة ".

فالرجل الذي يغار على امرأته إن وجدت في حال الخطيئة ومن الغيرة ارتكب ما يعاقب عليه فإن محاكم العالم تلتمس له عذرًا، إذ يكون في غالب الأحيان قد خرج عن وعيه وطار صوابه .

على أن التاريخ الكنسي يسجل للقديس بولس البسيط تلميذ أنبا أنطونيوس موقفه الفريد عندما جُرّب في امرأته إذ وجدها في ذات الفعل، فنصحها بوداعة ولكنها عادت إلى فعلتها فتركها في هدوء عجيب واتجه إلى القديس أنطونيوس وترهب عنده عائشًا في نسك و زهد منقطع ال نظير حتى فاق من سبقوه في هذا المجال .

على أن الله لا يترك نفسه بلا شاهد بل في كل جيل يوجد من آزرته النعمة ليتخطى حدود الطبيعة كما قلنا، فقد عاصرت في أواخر الستينات وكنا في كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس باسبورتنج، وكانت الحياة الروحية هي الشغل الشاغل للكثيرين من شعب الكنيسة وكنا نعيش أيام نهضة روحية حقيقية قوامها الصلاة والسهـر والصوم وحفظ الطهارة والمحبة والسعي لحفظ وصايا الرب يسوع .

كنا بالكنيسة في ساعة الظهيرة مع أبونا بشوي وكنيستنا باسبورتنج لا تغلق أبوابها نهارًا وليلاً، دائمًا مفتوحة وهي مثل عش العصفور وبيت اليمامة، يهرب إليها كل من يلتمس معونة أو سترًا، أو راحة من العناء الذي في العالم .

دلف إلى أبواب الكنيسة رجل تقي معروف لدينا، دَيّن ومتواضع القلب، رجل سلامي لا يسمع له صوت بل هو معروف بوداعته وصوته الخفيض .دخل وهو يمسك بيد زوجته وهي في الثلاثينات من عمرها وكان الرجل يكبرها ربما بعشر سنوات، ولم يكن الرجل على عادته من البشاشة بل كان وجهه مكمدًا مكفهرًا يكاد الدم ينفجر من وجهه، ولم تكن المرأة في حال أحسن ..كان منظرها يثير المخاوف، 

انتحى أبونا بيشوي بالرجل حالما رآه ، لم يستطع الرجل أن يكتم حاله أوحتى يتكلم بهدوء أوبصوت خفيض، صار يصرخ ويقول ...ارحمني يارب، ارحمني يا أبونا بيشوي ..
ساعدها ...أنا لا أريدها أن تهلك ...خلصها من خطيتها، لقد رأيتها بعيني، أنا لم آتى لأنتقم ولا لأشكو ...أتيت إليك لتقودها للتوبة. 

كان الرجل يبكي ...وكاد يسقط إلى الأرض  ...احتضنه أبونا بيشوي بأبوة عجيبة وهو يكاد يبكي، ولكن أبونا في مثل هذه المواقف كان الرب يؤازره بقوة وشجاعة ناردة فتمالك نفسه وهو يعزيه بكلام طيب ... 

ولن أنسى في حياتي منظر أبونا وهو فى صحن الكنيسة إذ التفت إلى ناحية الهيكل، ورفع كلتا يديه وصرخ بصوت جهورى وقال للرجل :
المسيح إلهى لا يكتب عليك خطية بل يسامحك ويحالك من جميع خطاياك .

كان هذا المسلك الفائق من هذا الرجل التقي سبب خلاص لامرأته 
فقد تعهدها أبونا بعناية خاصة ولم يزل بشددها حتى تقّوت ورفضت من قلبها مشورة العدو .
وكم غيّرت التوبة من نفوس وكم ولدت من جديد وكم جددت من خطاة فصاروا بالنعمة أنموذج لقدرة المسيح مخلصنا القادر أن يبرر الفاجر .
................................

منقول من : ...

المؤلف : جناب القمص/ لوقا سيداروس
الكتاب : رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين
الناشر : كنيسة مارجرجس باسبورتنج
الجزء : الثالث

No comments: